استقبل آخر الأخبار دقيقيه بدقيقة عن أهم القضايا الساخنة مع NewsHub. حمّل الآن.

مصر وفزاعة الثورة المضادة

13 أبريل, 2011 12:00 ص
145 0

منذ الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، بعد سلسلة مظاهرات واعتصامات، وتخلي الجيش عنه، ومصر في حالة فوران. الشارع صعد إلى أعلى الشجرة ثم لم يستطع النزول منها.

الجنرال شفيق لم يكد يتولى الوزارة مشفوعا بمديح المثقفين الثوريين والشباب حتى تحول بسرعة إلى فريسة مطاردة لغضب الشارع.

في كل طلبات الغضب هذه كان المجلس العسكري الحاكم للبلاد سخيا وكريما ومتجاوبا، وكتبت قصائد الود بين الجيش العظيم. لكن، ومع استمرار الاعتصامات وجُمعات الغضب والاحتجاج والشكر المليونية، وقع المجلس العسكري تحت ضغط شديد وبدأ رصيد التسامح ينفد، ولغة الود تخشوشن، نظرا إلى أن عجلة الاقتصاد المصري قد تيبست وحالة الثقة في الوضع العام سيئة بسبب تحول الكثير من المدن المصرية إلى التفرغ للتظاهر وتعطل الكثير من الإنتاج العام.

في الجمعة الماضي حصل أول احتكاك متوقع بين الشرطة العسكرية والمتظاهرين، وفي تلك المظاهرة انطلقت الهتافات لأول مرة ضد المجلس العسكري وضد «المشير» طنطاوي نفسه، واعتبره البعض عمودا من أعمدة النظام الراحل.

هنا وصلت الأمور إلى نقطة خطيرة، فسارع بعض الإعلاميين الأشداء إلى تنبيه الشباب المعتصم لخطورة فقدان تأييد الجيش المصري لهم وحمايته لثورتهم، وخرج صحافي ثوري، جمال فهمي، على إحدى الشاشات المصري ليطالب الشباب في ميدان التحرير بالتفرق والذهاب إلى البيوت والمدارس أو على الأقل ترك الميدان والاعتصام في الحدائق الجانبية، مشفوعا كل هذا الكلام طبعا بالمزيد من مديح الجيش المصري. الإخوان المسلمون من طرفهم، وعلى لسان عصام العريان، أعلنوا أنه لا علاقة لهم بجمعة الشجار بين الشارع والجيش المصري. وهذا أمر متوقع باعتبار أن جماعة الإخوان هي أكثر الجماعات السياسية المصرية الكاسبة من التحولات الجديدة وليس من صالحها أن تعود الأمور إلى نقطة الصفر ويصبح المجلس العسكري هو الصورة الجديدة للشيطان الذي كانه حسني مبارك.

يحيى الجمل، رجل معارض بشراسة لنظام مبارك، ورجل قانون ودستور، وسياسي معارض مخضرم، وبسبب كل هذه الاعتبارات تولى، بمباركة شباب الثورة، موقع نائب رئيس مجلس الوزراء، في حكومتي شفيق وعصام شرف، وقد أرهق الرجل من سيول الاعتصامات والطلبات الفئوية اليومية، وقال في حوار صريح مع جريدة «أخبار اليوم» المصرية، السبت الماضي ما نصه: «لا توجد عصا سحرية لاستيعاب هذا الكم الهائل من الشكاوى وحلها دفعة واحدة.. ونتفهم تراكمات الظلم الذي تعرض له كثيرون، ولكن يجب أيضا أن يستوعب المواطنون أننا لن نتحرك خطوة إلى الأمام ما دامت هذه الاحتجاجات مستمرة، كما أن هذا المناخ لا يؤهلنا للإنتاج أو تلبية المطالب المعروضة إلى جانب أن هناك الكثير من المطالب غير المبررة، وأخشى أن يتحول ذلك إلى غوغائية لا يمكن السيطرة عليها». ويضيف الجمل: «لا يمكن أن يتم اتخاذ قرار سليم في ظل مناخ يسوده هذا الشحن».

هنا، وبسبب الصورة المثالية لهيجان الشارع المصري، عز على كثير ممن شاركوا في هذه الأعمال سواء في الميدان أو عبر الإنترنت، وأيضا كثير من الكتاب العرب، عز عليهم أن تتخبط الاحتجاجات بهذا الشكل «الغوغائي» كما قال يحيى الجمل، فأطلقوا مصطلح «الثورة المضادة» لوصف كل شطط أو مبالغة في تصرفات الثوريين، بل وحتى الجرائم والمهازل التي ارتكبها المختلون العاديون، مثلما حصل في مباراة الزمالك المصري والأفريقي التونسي، حينما تدفق الآلاف من غوغاء الجماهير إلى أرض الملعب محتجين على نتيجة المباراة، سارع الإعلاميون المصريون، أو كثير منهم للدقة، إلى توجيه أصابع الاتهام إلى «فلول» النظام السابق، وأرباب «الثورة المضادة»، كل هذا في سلوك عربي اعتذاري معروف ومكرر، سواء لدى من كان حاكما أو من حكم الآن، فالقصة قصة جوهر ثقافي وسلوك راسخ وليست مجرد عناوين سياسية تختلف هنا وهناك.

الآن، حسني مبارك رحل أو خلع أو طرد أو وضع تحت الإقامة الجبرية أو يحكم بشكل خفي من شرم الشيخ حسب آخر تجليات الشيخ حسنين هيكل، لا فرق في هذا كله، فالحال أن مبارك الآن خارج السلطة ويريد حماية نفسه فقط، ومن يحكم مصر هو المجلس العسكري المتحالف مع مطالب الثوار، ومع ذلك فهذا لا يعني أبدا أنه بمجرد خلع الرئيس المصري سينصلح الحال ونصبح فجأة في جنة ديمقراطية مدنية، فها نحن نرى بعدما جفت مياه السلطة الماضية في مصر، نرى تماسيح التيارات السلفية ترعب الجميع في مصر بحيث يظهر الإخوان المسلمون وكأنهم دلافين وديعة بجانب هذه التماسيح.

لذلك فلا معنى لكل هذه الرطانة عن «الثورة المضادة» لتفسير عيوب المجتمعات العربية الحقيقية، وهذا الأمر لا يختص بالمجتمع المصري، بل بكل المجتمعات العربية. وأخشى أن يكون ترديد هذه الأسطوانة مجرد «فزاعة» يخترعها من يريد ردع النقد عن الثورة مثلما كان حسني مبارك يفعل بفزاعة الإخوان والأصوليين، كما يقولون.

المسألة ليست صندوقا انتخابيا ولا حتى نزاهة في العملية الانتخابية، فها هي انتخابات التعديلات الدستورية المصرية جرت، وعارضتها كل الجماعات العلمانية والمدنية وكل شباب ميدان التحرير وكل رموز المعارضة المدنية، ومع ذلك فقد انتصرت رغبة الإخوان المسلمين والتيار السلفي انتصارا ساحقا في التصويت بـ«نعم» على هذه التعديلات، وكان السلفيون يحركون الشارع المصري بحجة دينية صرفة، هي أن التصويت بـ«نعم» هو واجب ديني وأن من يصوت بـ«لا» يخشى على دينه وإيمانه! وهكذا صار.

الحكاية ليست فقط حكاية نزاهة انتخابية ومنح الناس، كل الناس، حرية الاختيار فقط، صحيح أن البعض قد يجادل بأنه وما ضير أن يصوت المصريون بـ«نعم» على التعديلات المثيرة للجدل، رغم اعتراض الجماعات المدنية والعلمانية والأقباط، فهي في النهاية تعديلات في دستور ما زال مدنيا وليس دستور حركة طالبان؟ والجواب أنه ليست النقطة هنا في هذا المثال، بل في ما وراء هذا المثال المحدد، في أن الشارع المصري الأكبر والأكثر عددا من رواد ميدان التحرير يتفاعل غالبا مع دعاة سلفيين أمثال الشيخ يعقوب أو محمد حسان، وأيضا فاعليات الإخوان المسلمين، وما حصل اليوم في معركة التعديلات الدستورية، قد يحصل غدا في ما هو أخطر وأكبر ضررا، وحينها لا ينفع النواح واللطم على الماضي من قبل من يبكي الآن على مصير الدولة المدنية في مصر.

الآمال المعقودة على تغييرات مصر وليبيا واليمن كبيرة، وكل «يقرب النار إلى قرصه» كما يقال، وكل يريد إخراج هذه الأحداث حسب رؤية الكاميرا الخاصة به، ولكن الآمال شيء والنظر إلى الأرض التي نمشي عليها شيء آخر. لقد ظلت الحرية والمدنية والتنمية حلما قديما في العالم العربي، ولكن ها نحن نراوح في ذات المربع.

هذه الأيام كنت أقرأ في مذكرات صلاح نصر، وزير المخابرات الأسبق في عهد عبد الناصر، وتحدث عن الصراع بين الرئيس ناصر والمشير عامر، ثم أورد رسالة خطيرة كتبها المشير للرئيس في 1962 جاء فيها أنه يريد الاستقالة من مواقعه كلها وأنه قبل أن يرحل يريد نصيحة الرئيس بأن يظل الجيش حاميا للثورة، ولكن يجب علينا أن نفسح المجال للحياة الحزبية الحرة وأن يكون هناك برلمان حقيقي وحرية رأي وصحافة غير مذعورة، وأن تصبح الحكومة مسؤولة أمام البرلمان.. ذهلت وأنا أقرأ هذه الرسالة وكأنها تتحدث عن «المشير» طنطاوي وليس «عامر».

مصدر: alwasat.com.kw

حصة في الشبكات الاجتماعية:

تعليقات - 0